الراغب الأصفهاني
505
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال آخر : بلى كلّ من تحت التراب بعيد وقال آخر : ومن نصب المنون بعيد قال النابغة : حسب الخليلين نأي الأرض بينهما * هذا عليها وهذا تحتها بالي الغفلة عن الموت قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كان الحق على غيرنا وجب ، وكان الموت على غيرنا كتب ، وكان من نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنّا مخلدون بعدهم . وقال الحسن ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ، أخذه محمد بن وهب ، فقال : تراع لذكر الموت ساعة ذكره * وتعترض الدنيا فتلهو وتلعب يقين كان الشكّ غالب أمره * عليه وعرفان إلى الجهل ينسب وقال الحسن وهو في جنازة : يا قوم لو أن هذا الرجل أخذه سلطانكم لفزعتم . قالوا : بلى . قال : قد أخذه ربكم فلم لا تفزعون . وقيل : من لم يرتدع بالموت وبالقرآن ، ثم تناطحت الجبال بين يديه ، لم يرتدع . وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : ما هذا التغافل عما أمرتم به والتسرع إلى ما نهيتم عنه ، إن كنتم على يقين فأنتم حمقى وإن كنتم على شك فأنتم هلكى . قال أبو العتاهية : الموت لو صحّ اليقين به * لم ينتفع بالموت ذاكره وقال محمد بن بشير : يا حسرتي في كلّ يوم مضى * يذكرني الموت وأنساه وقال الموسوي : ونأمل من وعد المنى غير صادق * ونأمن من وعد المنى غير كاذب نراع إذا ما شيك أخمص بعضنا * وأقدامنا من بين شوك العقارب الأجل حائل بين الإنسان والأمل قيل : لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال ووجد حجر بدمشق مكتوب عليه : يا ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك . وقال أمير المؤمنين : إنكم في أجل محدود ، وأمل ممدود ، ونفس معدود ، ولا بد للأجل أن يتناهى وللأمل أن يطوى وللنفس أن يحصى . وقيل لحكيم : ما أبعد الأشياء من الناس ؟ قال : الأمل ، فقيل : وما أقرب الأشياء منهم ؟ فقال : الأجل .